الجاحظ
39
البخلاء
الارتفاق « 1 » بالمصباح ما أمكن الصبر . ثم أنهم تناهدوا « 2 » وتخارجوا « 3 » ، وأبى واحد منهم أن يعينهم ، وأن يدخل في الغرم « 4 » معهم . فكانوا إذا جاء المصباح شدّوا عينه بمنديل ؛ ولا يزال ولا يزالون كذلك ، إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح ، فإذا أطفأوه أطلقوا عينيه . ورأيت أنا حمّارة منهم ، زهاء خمسين رجلا ، يتغدون على مباقل « 5 » بحضرة قرية الأعراب ، في طريق الكوفة ، وهم حجّاج . فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان معا ، وهم في ذلك متقاربون ، يحدّث بعضهم بعضا . وهذا الذي رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس . حدّثني مويس بن عمران « 6 » قال : « قال رجل منهم لصاحبه ، وكانا إمّا متزاملين « 7 » ، وإما مترافقين ، « لم لا نتطاعم « 8 » ؟ فان يد اللَّه مع الجماعة ، وفي الاجتماع البركة » ؛ وما زالوا يقولون : « طعام الاثنين لا يكفي الثلاثة ، وطعام الثلاثة لا يكفي الأربعة » . فقال له صاحبه : « لولا أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة » . فلما كان الغد ، وأعاد عليه القول ، قال له : « يا عبد اللَّه معك رغيف ، ومعي رغيف ؛ ولولا أنك تريد الشرّ ، ما كان حرصك على مؤاكلتي . تريد الحديث والمؤانسة ؟ اجعل الطبق واحدا ، ويكون رغيف كل منّا قدّام صاحبه . وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك ، ونصف رغيفي ،
--> « 1 » الارتفاق : استعمال الشيء والانتفاع به . صبروا على الارتفاق بالمصباح : استغنوا عن الإنارة . « 2 » تناهدوا : أخرج كل واحد منهم مالا بقدر الآخر مشاركة بالنفقة . « 3 » تخارجوا : من معنى تناهدوا . « 4 » العزم : ما يجب دفعه من المال ، كالجزية مثلا . « 5 » مباقل : نوع من النباتات العشبية ، مفردها مبقلة . « 6 » مويس بن عمران : أحد أصحاب النظام المعتزلين . « 7 » متزاملين : عادله على البعير ، اي ركب هو في جانب وعادله رفيقه في الجانب الآخر . « 8 » نتطاعم : نأكل سوية .